الشيخ عبد الغني النابلسي

129

كتاب الوجود

الاستطاعة « 1 » ، وممثلين لها من غير تأويل لما ورد عن الرسل على حسب شهودهم ومعرفتهم « 2 » . وروى أيضا في مسند الفردوس ، وقد رواه الطبراني بإسناده عن عبد اللّه بن عمر - رضى اللّه عنهما - قال : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن للّه عزّ وجلّ عبادا يضن بهم عن الفتن والزلازل والأسقام ، يطيل أعمارهم في حسن العمل ، ويحسن أرزاقهم ، ويحييهم في عافية ، ويقبض أرواحهم في عافية على الفرش ، ويعطيهم منازل الشهداء » . فقوله : يضن بهم ؛ أي يحفظهم عن جميع الفتن ، فلا يبذلهم لها ، ولا يعرضهم فيها ، فهم محفوظون من ذلك سبب شهودهم الفتن ، فلا يدلهم لها ولا يعرضهم فيها ، فهم محفوظون من ذلك بسبب شهودهم الوجود وحده ، أو أنه ليس وصفا لشيء من الأشياء أصلا على ما هي عليه من التقدير الأزلي فقط من غير اتصاف بوجود كما ذكرنا ، فقد أراحهم من جميع الأتعاب المترتبة على وصف الأشياء بالوجود « 3 » .

--> ( 1 ) تعتمد أقوال الصوفية على تجاربهم الخاصة ؛ بمعنى أننا لا نجد رأيا في الآراء الصوفية إلا ويمكن أن يعد على وجه ما ثمرة لخضوع صاحبه للرياضات والمجاهدات الروحية ، ولما اعتور نفسه من الأحوال والمقامات . كما أن اليقين عندهم يتمثل في مطالعات القلوب والمشاهدة ، فكل ما رأته العيون نسب إلى العلم وما علمته القلوب نسب إلى اليقين . الكلابازى في التعرف لمذهب أهل التصوف ( 103 ) . ( 2 ) اعلم أن اللّه - سبحانه وتعالى - لما أراد إتمام نعمته وإفاضة رحمته ، واقتضى فضله العظيم أن يمن على العباد بوجود معرفته ، وعلم سبحانه عجز عقول عموم العباد عن التلقي من ربوبيته ، جعل الأنبياء والرسل لهم الاستعداد التام لقبول ما يرد من ألوهيته ، يتلقون منه بما أودع فيهم من سر خصوصيته ، ويلقون عنه جمعا للعباد على أحديته ، فهم برازخ الأنوار ، ومعادن الأسرار ، رحمة مهداة ، ومنة مصفاة ، حرس أسرارهم في أزله من رق الأغيار ، وصانهم بوجود عنايته من الركون إلى الآثار ، لا يحبون إلا إياه ، ولا يعبدون سواه . [ لطائف المنن ( 28 ) ، طبعة دار المعارف ] . ( 3 ) للصوفية عالم خاص بهم ؛ إذ ربما يرون أشياء لا يراها غير الصوفي ، وتعتريهم أحوال لا يعانيها غير الصوفي ، ولغتهم التي يعبرون بها هي لغة الرمز والإشارة ؛ لأن الأمور التي يرمز إليها لا تقع في محيط عامة الخلق .